أنشر هذا المقال الذي كتبته وقدّمته في مدوّنتي www.benyaglane.net إثر بث برنامج "هذا أنا" على القناة التونسية حنّبعل والذي كنت ضيفا فيه مع المنشط علاء الشابي يوم 5 مارس 2008 .
ولقد وصلتني مراسلات عديدة تضمنت الكثير من الملاحظات والآراء النقدية حول مشاركتي في هذه الحصة والتي أشار فيها العديد من المعلقين إلى مقاطعة المنشط المتكررة
وقد كثرت في تلك الفترة التّساؤلات والمقالات في الصّحف عن أسباب هذا الإقصاء والتهميش. حتى جاء الجواب مفحما على لسان مصطفى عطيّة, الملحق بديوان وزارة الثقافة والشباب والترفيه آنذاك, وبإمضائه الخاصّ في مقال بجريدة الصّريح يوم الأحد 27 جويلية/تموز 2003 بعنوان "ادّعاء ودعاية" ليثبت أن الرأي الذي اتّخذه صاحبه في شأن منع مسرحيتي "آش يقولولو" يعبّر عن الموقف الذّي اتّخذته المهرجانات الصّيفيّة التّونسية, المحليّة منها والجهوية والوطنيّة وحتّى الدّوليّة, والتي تشرف عليها الوزارة وبالتالي يؤكد أنّ تغييب هذه المسرحية قد كان مقصوداومتعمّدا.
وقد برّر مصطفى عطية منع مسرحيتي من المهرجانات بدعوى أنها "لا علاقة لها باهتمامات المواطن التونسي" مدعيا أن مسرحيتي من شأنها أن تقوّض النسيج الأسري وبالتالي يُلصق لها تهمة تتمثل في أنها منافية للأخلاق موحيا بذلك إلى كل المشرفين على برمجة العروض بمنع هذه المسرحية. كيف يمكن ألا يكون كذلك وهو مع الأسف مسؤول له تأثير في وزارة الثقافة.
وقد تجاهل مصطفى عطية في مقاله أن المسرحية حظيت باستحسان النقاد وبنجاح جماهيري كبير في الداخل وفي الخارج. ويكفي التذكير بنجاح سلسلة عروض "آش يقولولو" بقاعة الكوليزي وبالمسرح البلدي بالعاصمة... وعروض أخرى بتنسيق مع منظمة التربية والأسرة والإتحاد الوطني للمرأة وأيضا في الثكنات والأكاديميات العسكرية بدعم من وزارة الدفاع الوطني... هل هذه المؤسسات كلها عاجزة على التفطن أن المسرحية لا تهم المواطن التونسي؟
لقد بدا مصطفى عطية متأرجحا بين مبرّرات مفتعلة تارة يقول إنّ المسرحيّة "باهظة الثّمن" في حين أنّه لم يحدث أن تعطّل أيّ عرض مع أيّ مهرجان لأسباب ماديّة وطورا يقول إنّ المسرحيّة "غريبة المضمون ولا تخصّ اهتمامات المواطن التّونسي في الأرياف والمدن الدّاخليّة".
كيف لمسؤول بوزارة الثقافة وبصفتة تلك أن يتجرأ على نشر تصريح كهذا؟ هل طرح موضوع ثقافة التعبير والمسائل المتعلقة بالتربية والأسرة والتثقيف الصحي لا يهم المواطن التونسي في الأرياف والمدن داخل الجمهورية؟
نحمد الله أنّ في بلادنا عندما انطلقت حملة التّنظيم العائلي الذّي نحصد نتائجها خاصّة في الأرياف لم تجد آنذاك إعلاميين أو مسؤولين في الثّقافة يندّدون بها ويعتبرونها من الكبائر. فكيف بعد 50 سنة من نجاحات في مجال الثقافة الصحية نقرأ إشارات كأنّها تريد محاربة المبادرات لنعود إلى عصر الخرافات؟ إنّ الذين أصيبوا بالأمراض الجنسيّة هم أبناؤنا وفلذات أكبادنا هم ضحايا التّهميش وثقافة اللامبالاة التّي تتحمّل مسؤوليّاتها الأفراد لا المؤسسات. ولذلك ارتأيت أنه من واجبي نحوهم كفنّان مسرحي أن أقترب من هؤلاء الذين تعطّلت لغة الكلام بينهم وبين أوليائهم بسب المركّبات المتحجّرة باسم العادات والتّقاليد بعمل فنّي يمزج بين الجدّ والهزل محاولا التّقليص من الهوّة الفاصلة بين الثّقافي والصّحّي.
كان بالإمكان أن لا أتطرق إلى موضوع التثقيف الصحي فأجنّب نفسي عناء كل هذه المواجهات.وبذلك يسهل على المسرحية الانتشار السريع وتكون العملية مربحة وزيادة ورغم ذلك رفضت أن أتعمّد تجاهل هذا الموضوع لأني أعتبر أنه من شروط الإبداع أن يتناول المبدع القضايا المسكوت عنها ولا يتجاهلها بدعوى أنها ليست من مشاغله أو من اختصاصاته خاصة وأن الجمهور الكبير من الشباب هو في أشد الحاجة إليها...
ما المانع في أن أساهم في بلدي وقد سبقني في ذلك كثير من كبار الفنّانين والمبدعين في العالم من مطربين وأعلام سينمائيّة ونجوم لامعة دفعتهم عبقريّتهم إلى الالتزام بمساندة قضايا مجتمعاتهم ومعالجتها. فلماذا نتأخّر نحن عن الرّكب ونلتزم الصّمت؟ إن العقول الضعيفة هي التي تتجنب القضايا الكبرى..بل وتعمل على منع الخوض فيها فتكرّس بذلك ثقافة التهميش وتهميش الثقافة.
إن غياب الوعي بضرورة التثقيف الصحي وعدم الاكتراث به وإدراك فوائده يمكن أن يترك أثرا لا تٌحمد عقباه. لذلك فإني ارتأيت أن تأخذ الوقاية من الأمراض المنقولة جنسيا حيّزاً من عملي المسرحي " آش يقولولو". وهذا اختيار حاولت أن أستمد معانيه من وعيي بضرورة تعزيز ثقافة المواطنة التي من خلالها يتعمق احترامنا للآخر ويتأكد اعتبارنا له.
تلاحظون إنّ الصور التي تشاهدونها هي لشخصيات سياسية رفيعة المستوى في فرنسا والتي شاركت في الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة لسنة 2007 بصفتهم مرشحين لرئاسة الجمهورية الفرنسية .
أين نحن من هذه العقلية
ولعل هذه الصور قد لا تحتاج إلى تعليق لأنها وحدها تكفي لطرح سؤال خطير : أين نحن من هذه العقلية ؟ إذ تعبر عن مدى نضج رجال السياسة في المجتمعات المتقدمة و الذين رغم اختلاف شعاراتهم و تصارع أفكارهم وتشعّب نزاعاتهم فإنهم اتحدوا كلمة واحدة بتوظيف أسماءهم و بتقديم صورهم في معلقات نٌشرت في كل شوارع فرنسا حاملة شعارات جريئة هدفها تحسيس كل الجماهير ضد مرض الإيدز (السيدا) عافانا وعافاكما الله.
ولا أخفي عليكم أني عندما شاهدت هذه الصور قد أخذتني الرعشة من شدة التأثر اعتزازا بهذا الموقف السياسي الإنساني الأخلاقي المشرّف وأيضا أسفا على غيابه في كل مجتمعاتنا العربية.
ولعلي أبالغ إن قلت أن دمعة في عيني انحبست من شدة الحسرة وأنا أشاهد هذه الصور في باريس متذكرا ما عانيته في تونس من عراقيل بسبب مسرحيتي "آش يقولولو" التي قدمتها سنة 2002 والتي تجرأت فيها على معالجة المسائل المتعلقة بالصحة الجنسية وكيف تم تهميشها و إقصاءها من كل المهرجانات حتى أن البعض اتهمها بأنها منافية للأخلاق دون أن أجد سندا فاعلا من الأطراف المسؤولة ولا حتى من الدكتور عبد الباقي الهرماسي وزير الثقافة والشباب والترفيه آنذاك والذي صدمني عند لقائي به بمكتبه برد عكس ما كنت أنتظره وأتمنّاه من وزير تعنيه الثقافة ويهمّه الشباب بل لامني على تحمّسي لهذا الموضوع , فكان الإحباط و تأكدت أنه لا مجال لثقافة فاعلة في تونس ما دام المسؤول لا يُسأل.
لقد كان من المفروض على كل المؤسسات الثقافية والتربوية والتعليمية أن تدعّم هذا العمل الذي لاقى نجاحا جماهيريا كبيرا والذي أردته أن يكون للجمهور دليلا ملموسا آخر يعبّر عن اهتمام المبدع بالقضايا التي يزعم البعض أنها ليست من مشاغـله وخاصة تلك التي تتصل بصحتنا أي بحياتنا..
ولأنه لا حياء في العلم كما لا حياء في الدين أردت بهذا العمل المسرحي أن أساهم في دفع الجمهور وخاصة منه الشباب إلى الحديث عن نفسه والتعبير عن ذاته وأن أهمس في أذهان أبنائنا – من فوق خشبة المسرح أن الحديث عن الداء وإدراك أسبابه وسبل تجاوزه ضمان لسلامة الجميع..
هذا ما أردت توضيحه في برنامج هذا أنا للإجابة عن سؤال المنشط حول ما تعرضت له مسرحية "آش يقولولو" من إقصاء ولكن مقاطعته المتكررة منعتني و لم أتمكن من ذلك .







